محمد أبو زهرة

3407

زهرة التفاسير

للتوحيد ، والإيمان بمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، وحيث كانت القوة العادلة ، اختفت العداوة الظاهرة ، واستمرت عداوة النفوس مستكنة فيها فيكون النفاق الذي يأكل القلوب ، ويملؤها حقدا ، ورغبة دانية في الكيد . ولما صارت القوة للإسلام في الجزيرة العربية ، وصارت الكلمة العليا للّه ولرسوله ، وجد سبب النفاق في داخل الجزيرة وحول المدينة كما قال سبحانه : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ . . . ( 101 ) . وعندما يكون النفير العام ، أو الخاص يظهر من الأعراب اعتذارات بعضها صادق ، وبعضها كاذب ، ويقعد بعضهم عن الجهاد كفرا ونفاقا ، ولذا قال تعالى : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ . في الآية قراءتان إحداهما بتشديد الذال مع كسرها ، والثانية بتخفيفها مع كسرها أيضا « 1 » ، فقراءة التعذير في الأولى ، يكون معناها التقصير وعدم الاهتمام ، من قولهم عذر في الأمر إذا قصّر فيه وتوانى ، وذلك مقصور في الأعراب الذين هم أجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل اللّه تعالى ، ولا فرق عندهم بين دعوة إلى الجهاد في سبيله ، ودعوة إلى عادات كانت تجرى بينهم للمنازعة على الكلأ ، أو مواطن الماء ، أو للعصبية الجاهلية . ويصح أن يكون المعذّرون هم المعتذرون ، ويكون في الكلام إعلالا صرفيا ، فأصل « المعذرون » المعتذرون من اعتذر ، فقلبت التاء ذالا ، وأدغمت الذال ، ونقلت حركة التاء إلى العين ، ويكون المعنى جاء المعتذرون الذين شددوا في اعتذارهم ؛ لأن الادعاء ينبئ عن شدة الاعتذار ، وإن معنى ذلك أنهم يعتذرون بأعذار مقبولة ، ويدل على ذلك المقابلة ، وقوله تعالى بعد ذلك : وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ

--> ( 1 ) قراءة ( المعذرون ) ساكنة العين خفيفة الذال ، قراءة يعقوب ، والنهاوندي عن قتيبة عن الكسائي ، وقرأ الباقون ، بفتح العين وتشديد الذال . غاية الاختصار ( 963 ) .